الخطيب الشربيني

158

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 16 ] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) الرَّحْمنُ عَلَّمَ أي : من شاء الْقُرْآنَ وقدم من نعمه الدينية ما هو أعلى مراتبها وأقصى مراقبها وهو إنعامه تعالى بالقرآن العظيم ، وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله تعالى رتبة ، وأعلاها منزلة ، وأحسنه في أبواب الدين أثرا ؛ وهو سنام الكتب السماوية ، ومصداقها والعيار عليها . تنبيه : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ؛ لأنّ آخر تلك مليك مقتدر ، وأوّل هذه أنه رحمن . قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي : الرحمن : فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسما من أسماء الله تعالى الر ، وحم ، ون ، فيكون مجموع هذه الرحمن . ولله تبارك وتعالى رحمتان : رحمة سابقة بها خلق الخلق ؛ ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع ، فهو رحمن باعتبار السابقة ، رحيم باعتبار اللاحقة ، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره رحمن ولما خلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطاقة البشرية فأطعم ونفع جاز أن يقال له : رحيم . وفي إعراب الرحمن ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر أي الله الرحمن الثاني : أنه مبتدأ وخبره مضمر أي الرحمن ربنا . الثالث : أنه مبتدأ خبره علم القرآن ؛ فإن قيل : كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] أجيب بأنا إن قلنا بعطف الراسخين على الله فهو ظاهر ، وإن قلنا بالوقف على الله ويبتدأ بقوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ [ آل عمران : 7 ] فلأن من علم كتابا عظيما فيه مواضع مشكلة قليلة وتأمّلها بقدر الإمكان فإنه يقال فلان يعلم الكتاب الفلاني ، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين في تلك المواضع القليلة ، وكذا القول في تعليم القرآن ، أو يقال المراد لا يعلمه من تلقاء نفسه بخلاف الكتب التي تستخرج بقوة الذكاء والفكر . واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أكثر المفسرين : نزلت حين قالوا : وما الرحمن ، وقيل : نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا : إنما يعلمه بشر وهو رحمان اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ؛ فأنزل الله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ أي : سهله ليذكر ويقرأ ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [ القمر : 17 ] . ولما كان كأنه قيل كيف يعلمه وهو صفة من صفاته ، ولمن علمه قال تعالى مستأنفا أو معللا خَلَقَ الْإِنْسانَ أي : الجنس بأن قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات ، وأصله منها ثم عن سائر الناميات ، ثم عن غيره من الحيوانات ، وخلقه له دليل على خلقه لكل شيء موجود إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] وقيل علم القرآن جعله علامة . وآية عَلَّمَهُ الْبَيانَ أي القوّة الناطقة وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية ، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر ، وغير ذلك مما أودعه له سبحانه مع تعبيره عما أدركه مما هو غائب في ضميره وإفهامه لغيره : تارة بالقول وتارة بالفعل ، نطقا وكتابة وإشارة وغيرها ، فصار بذلك ذا قدرة في نفسه والتكميل لغيره فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن ، وقال ابن عباس وقتادة والحسن : يعني آدم عليه السلام علم أسماء كل شيء ، وقيل : علمه اللغات كلها وكان